
«ما هو شغفك؟»
سؤالٌ بسيط في ظاهره، لكنه قد يكون الأثقل على الروح.
يُلقى عليك في مقابلات العمل، في التجمعات العائلية، وحتى في حواراتك مع نفسك.
وإن لم تكن تملك إجابة جاهزة، لامعة، ومقنعة، يتسلل إليك شعورٌ بارد بالنقص. كأنك طالبٌ في امتحان لم يستعد له، أو أنك تائه في سباق يعرف الجميع وجهته إلا أنت.
هذه ليست مجرد شعارات رنانة، بل هي «أسطورة اتبع شغفك» التي تحولت إلى وصية ذهبية في عصرنا.
وُعِدنا بأننا لو وجدنا هذا الشغف السحري، ستُفتح لنا كل الأبواب، وسنعمل بسعادة أبدية.
لكن ماذا عن أولئك الذين لم يجدوه بعد؟ هل هم مخطئون؟ هل هم أقل كفاءة؟ هذا الضغط يخلق ألمًا حقيقيًا، شعورًا بأن إمكانياتك الحقيقية محبوسة، تنتظر كلمة سر غامضة لتتحرر.
المفارقة هنا يا عزيزي، أن البحث عن الشغف بهذا الشكل، قد يصبح هو المصدر الأول للتعاسة والشلل. لأنه يحوّل تركيزك من البناء الفعلي إلى انتظار حالة عاطفية قد لا تأتي أبدًا.
وهم الشغف 🪞
لماذا قد تكون نصيحة «اتبع شغفك» أسوأ نصيحة في مسيرتك؟
هذا الوهم هو ما يتناوله «بودكاست غلاف» في إحدى حلقاته، حول كتاب (So Good They Can’t Ignore You) مشيرًا إلى فكرة صادمة لكنها واقعية: الشغف بحد ذاته ليس هو العنصر الأهم في سعادتك المهنية. الحقيقة التي نعيشها يوميًا تثبت ذلك.
فكر في الأمر: قد تجد وظيفة في مجال شغوف به، كالكتابة أو التصميم، لكنك تعود يوميًا إلى منزلك منهك الروح. ليس بسبب العمل، بل بسبب مدير سام، أو بيئة عمل خانقة، أو زملاء يغتالون طاقتك.
في المقابل، قد تعمل في وظيفة لم تكن تحلم بها يومًا، لكنك تشعر بالرضا والتقدير لأنك تعمل ضمن فريق داعم وقيادة تحترمك.
البيئة التي تعمل فيها غالبًا ما تكون أقوى من الشغف الذي تحمله في قلبك. بيئة سيئة قادرة على إطفاء أي شعلة، وبيئة صحية قادرة على إنبات الرضا في أكثر الأماكن جفافًا.
ثم هناك وهم وظائف الأحلام. نرى حياة المؤثرين (Influencer) كحياة مليئة بالشغف على الشاشات، تبدو مليئة بالحرية والإبداع.
لكن الواقع، كما يوضح البودكاست، مليء بالقلق من الأرقام، والسفر المرهق، والشعور الدائم بأن حياتك كلها للعرض. ما يبدو شغفًا من الخارج، قد يكون سجنًا من الداخل يا صديقي.
والفخ الأكبر، هو أننا نُخطئ في تشخيص المشكلة. عندما نواجه صعوبة في عملنا، أو نفشل في مهمة ما، فإن أول ما نلومه هو نقص الشغف.
نقول لأنفسنا: «لو كنت شغوفًا حقًا، لما وجدت هذا الأمر صعبًا». لكن الحقيقة غالبًا ما تكون أبسط وأكثر قابلية للحل: أنت لا تفتقر للشغف، بل تفتقر للمهارة. وهذا هو مفتاح الخروج من هذا النفق.
كيف تصنع شغفك الخاص؟ 🛠️
وهنا تقدم لنا حلقة «بودكاست غلاف» المنظور البديل، المنظور الذي يعيد القوة إلى يديك: عقلية الحِرَفيّ.
ماذا لو أن الشغف ليس شرارة إلهام مفاجئة ننتظرها، بل هو نارٌ نُشعلها بأنفسنا، عودًا بعود؟ ماذا لو أن حب العمل لا يسبق الإتقان، بل يتبعه؟
هذه هي الفكرة الجوهرية. أن تختار مجالًا يثير فضولك، ثم تكرّس نفسك لتطوير مهاراتك فيه.
أن تتبنى عقلية النمو، وترى كل تحدٍّ لا كحكمٍ على قدراتك، بل كفرصة لتصبح أفضل. أن تتحلى بالصلابة لتستمر حين تصبح الأمور صعبة.
مع كل مهارة جديدة تتقنها، وكل مشكلة تحلها، ينمو بداخلك شعورٌ بالقوة والتمكن.
هذا الشعور بالسيطرة والكفاءة هو الذي يولد الرضا، والمتعة، والإحساس بالهدف. شيئًا فشيئًا، هذا الرضا العميق يتحول إلى ما نسميه شغفًا.
الشغف هنا ليس السبب، بل هو النتيجة. إنه مكافأة الإتقان، وليس شرطًا مسبقًا له.
مفتاح سعادتك المهنية 🗝️
ليس الشغف وحده ما يصنع الرضا، بل الأدوات التي تبني بها مسارك يومًا بعد يوم يا صديقي.
يقترح البودكاست إطارًا عمليًا وواقعيًا؛ بالتركيز على ملء ثلاث سلال أساسية في حياتك المهنية، وهي:
سلة المهارات
ما هي المهارات الملموسة التي تجعلك ذا قيمة في مجالك؟ «برمجة، تحليل بيانات، كتابة إعلانية، تصميم».
سلة القدرات
ما هي قدراتك الفريدة التي تميزك؟ «التفكير النقدي، حل المشكلات المعقدة، القيادة، التواصل الفعال».
سلة العلاقات
من هم الأشخاص الذين تثق بهم، ويثقون بك، ويمكن أن يدعموك في مسيرتك؟
هذه السلال ليست مجرد نقاط في سيرتك الذاتية، بل هي مصدر قوتك الحقيقي. كلما امتلأت هذه السلال، زادت قدرتك على التحكم في مسارك.
حينها، لا يعود المدير الجيد مجرد حظ، بل يصبح خيارًا، لأنك تملك من المهارة ما يجعلك تختار بيئة العمل التي تناسبك. لا تعود الوظيفة المثالية هدفًا بعيد المنال، بل تصبح أنت الشخص الذي يستطيع أن يحوّل أي وظيفة إلى تجربة مثالية، لأنك تملك الأدوات اللازمة لذلك.
رحلتك المهنية تبدأ من هنا 🧭
في النهاية يا عزيزي،
الرضا الوظيفي الحقيقي لا يأتي مما تفعله فقط، بل من مدى القوة والتحكم اللذين تملكهما، وعلى كيف وأين تقوم به.
في المرة القادمة التي يسألك فيها أحدهم «ما هو شغفك؟»، يمكنك أن تبتسم، لأنك تعرف أن الإجابة ليست كلمة واحدة، بل هي قصة كاملة.
قصة المهارات التي بنيتها، والتحديات التي تجاوزتها، والقيمة التي أصبحت قادرًا على صناعتها.
توقف عن البحث، وابدأ بالبناء.
لأن الشغف الحقيقي لا يكتشف، بل يصنع.
اشترك الآن في نشرتنا البريدية

ترشيحات النشرة
هل أنت تائه في دوامة البحث عن الشغف؟ 🌀
اكتشف لماذا قد تكون عقلية الحِرَفيّ وبناء المهارات النادرة هما طريقك الحقيقي نحو السعادة والتحكم في مسارك المهني، في حلقة عميقة من «بودكاست غلاف».

هل تعلم لماذا نحبّ رائحة المطر؟ 🌧️
تلك الرائحة المنعشة التي نشعر بها مع أولى قطرات المطر تُدعى «بِتريكور».
وهي مزيج ساحر من زيوت تفرزها النباتات، وبكتيريا تعيش في التربة، وجزيئات الأوزون الناتجة عن البرق.
وعندما يلامس المطر الأرض، تُطلق هذه المركّبات في الهواء، فنستنشقها ونشعر براحة غامرة.
إنها رائحة الذكريات والهدوء والبدايات الجديدة.
ربما لهذا السبب، يحبّها القلب قبل الأنف. 🤍